لانتهازيون لا يستحون
ويتغيرون حسب المواسم والفصول
هارون محمد
ثمة عُقد (جمع عقدة) تتلبس عددا من المسؤولين الحاليين من وزراء ونواب وقادة عسكريين وامنيين ومدراء دواوين وعامين وسفراء ودبلوماسيين لانهم كانوا في ما مضى بعثيين او مقربين من قيادة الحزب والثورة كما كانت تسمى او صداميين من فرط حبهم واعتزازهم بالرئيس الراحل وبعضهم عمل جاسوساً او مخبرا سريا او كاتب تقارير لاجهزته الامنية والمخابراتية في الداخل والخارج. هؤلاء الذين كانوا بعثيين وصداميين في سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي لاعتبارات مصلحية وليست مبدئية كما تبين الآن وتحول عدد منهم عقب الاحتلال الامريكي الى صف الاحزاب الشيعية وانخرط فيها وتسلم بعضهم مراكز قيادية ونيابية فيها هم في الحقيقة أخطر في سلوكهم وتصرفاتهم ضد المجتمع العراقي من خصومه واعدائه المكشوفين، لانهم يعيشون ازدواجية نفسية وشخصية وسياسية في دواخلهم تدفعهم الى محاولة شطب تاريخهم وسجلهم السابقين والتنكر لماضيهم القريب وانكار انهم كانوا أنصاراً ورفاقا او من اصدقاء صدام لكثرة الاوسمة وانواط الشجاعة التي منحت لهم عن استحقاق او مجاملة ويعاندون بانهم لم يكونوا من عظام رقبة النظام السابق وينفون ان لحوم اكتافهم من عطايا قادته ورموزه ويسعون ايضا الى فرض حظر تجوال على الذاكرة الجماعية العراقية كي لا تستعيد صورهم وتصريحاتهم ومقالاتهم وبرقياتهم وقصائدهم وفتاويهم او فتاواهم في الدعاء للقائد المجاهد ونصرته على اعدائه الامريكان والصهاينة والعجم رغم انهم كانوا في كامل عقولهم وذروة وعيهم وعلى رؤوسهم تنتصب العمامات السود والبيض والخضر او (العكل) جمع عقال المبرومة والغليظة والرفيعة او (البيريات) والخوذ.
هؤلاء الذين انقلبوا على انفسهم وماضيهم يتطرفون في مواقفهم السياسية والدينية واجراءاتهم القمعية الان وينحدرون الى مستويات رخيصة ويتحولون الى عملاء واجراء لدول واحزاب كانوا الى بضع سنين مضت يصبون لعناتهم عليها ويوجهون اليها تهديدات بالويل والثبور وعظائم الامور على طريقة (وين يروح المطلوب النه) واذا بهم بعد سقوط النظام واعدام صدام يصبحون مجاهدين ومضطهدين ومظلومين والقائمة تطول.
ونماذج هذة الفئة وهي للعلم ليست صغيرة او قليلة العدد وخصوصا في مجالس النواب والمحافظات والاقضية والمرافق الحكومية والعسكرية والامنية، فقدوا توازنهم وطووا انسانيتهم (السابقة) عندما ارتبطوا عقب الاحتلال باحزاب وجماعات سياسية ودينية وطائفية وباتوا ضائعين لا يعرفون كيف يدارون أزماتهم الا بالتشدد في مواقفهم الجديدة واستخدام القوة المفرطة ضد كل من رافقهم وعايشهم او عرفهم في المرحلة السابقة والاسماء هنا كثيرة، فقد شاهدنا كيف عاد وكيل الامن السابق الى العراق بعد ان أصبح قطباً في حزب الدعوة بالخارج واول عمل قام به هو خطف الضابط الذي كان مسؤوله المباشر وقتله ببشاعة ؟ وكيف تحول مصّدر فتاوى الجهاد بمناسبة وغير مناسبة على (الكفار) الى صديقهم ومرحب بهم ؟ وكيف انبطح خطيب الجمعة وبيده المدفع الرشاش الى داعية لاصحاب البدع والضلالات كما كان يسميهم؟ وكيف انحنى القائد العسكري الذي حمل 14 وساما ونوط شجاعة يؤدي التحية بقيافة كاملة لواحد من ابناء الشوارع في خلقته واخلاقه ؟ وكيف ألبس شيخ عشيرة عباءة أهداها اليه صدام كتفي صاحب (ما ننطيها)؟ وكيف تطرف (مسوكجي) الحزب طوال سنوات عندما اصبح محافظا ؟ والاسئلة كثيرة والتساؤلات اكثر واجوبتها لا تحتاج الى (عصر مخ) للتوصل اليها، انها ضياع الوجدان وانهيار القيم.
ومن الامثلة الحية الان على هذه النماذج النائب عن ائتلاف دولة القانون عبدالسلام المالكي الذي كان واحدا من (أصدقاء) صدام حسين وقد حصل منه على هبات نقدية شهرية وامتيازات مالية واجتماعية علنية وليست سرية باعتباره من شيوخ (الدرجة الاولى) في العراق.
ولا نريد هنا ان نتحدث عن الاساليب التي كان يتبعها عبدالسلام في الوصول الى اصحاب المقامات العليا والتذلل لهم ويكفي للتدليل على وصوليته ونفاقه تلك اللقطات التي يمكن الاطلاع عليها على شبكة الـ(يوتيوب) وهو يلقي قصيدة شعبية في حضرة الرئيس السابق يمدحه فيها ويشيد بقيادته علماً بانه لا يحتاج الى نظم القصائد وتلاوة الاشعار لان مكانته عند صدام (محفوظة) والملايين له مقررة واعلى من مكافآت شيوخ عشائر اكبر منه منزلة واكثر شهرة.
والذاكرة العراقية لا تنسى ايضا ان عبدالسلام المالكي جاء من البصرة الى بغداد ضمن وفد شعبي وعشائري رأسه في حينه عضو المجلس الوطني خالد الملا عبدالوهاب (المتشيع الان) والقيادي في المجلس الاعلى حالياً لتهنئة عدي صدام حسين لمناسبة نجاته من محاولة الاغتيال التي تعرض لها نهاية عام 1996 والصور المنشورة في صحف الجمهورية والثورة والقادسية والعراق التي غطت المناسبة يومذاك تظهر عبدالسلام وخالد الملا واربعة شيوخ آخرين ثلاثة منهم أحياء يرزقون يقدمون (مفتاح البصرة الذهبي) الى نجل الرئيس.
عبدالسلام المالكي في آخر انتهازياته ينفي استهداف طارق الهاشمي وعدنان الدليمي ومحمد الدايني واحمد العلواني سياسيا من قبل زعيمه الجديد (ابن طويريج) الذي ثبت بالادلة والوقائع انه ملفق تهم وجامع ملفات كيدية مستعيناً بقضاء مدحت المحمود مستشار صدام القانوني وصاحب مقولة (اعظم زعيم لاعظم شعب) ومحاكم بليغ حمدي وماجد الاعرجي وسعد اللامي وثلاثتهم من عتاة قضاة التحقيق السابقين يعاونهم بالرأي والمشورة والتفسير ضابط حقوقي سابق هو الذي اخترع عقوبة قطع الأذن ووشم الجبهة للمتخلفين والهاربين من الخدمة العسكرية.
الذي يتنكر لماضيه ويحاول التبروء منه والقفز عليه، لا حاضر له ولا مستقبل، هذه حقيقة يتغافل عنها مساحو اكتاف صدام وقادته والغارفون من مكارمهم بالامس وهم يخوضون اليوم في مستنقعات الاحزاب الطائفية ويخدمون قادتها، فالتاريخ يسجل ويثبت ويفضح ويكشف المستور.